بِكُلِّ لُغاتِ الْكَوْن

خالد شوملي

 

 

أُتِمُّ قَصيدي ثُمَّ آتي أُتَمْتِمُ

كَأَنَّ حُروفيْ وَحْدَها تَتَنَظَّمُ

 

بكُلِّ لُغاتِ الْكَوْنِ: إنّي أُحِبُّها

فَتَسْألُني مُشْتاقَةً: مَنْ يُتَرْجِمُ؟

 

أقولُ: إذا لَمْ تَفْهَمي الْهَمْسَ فَاغْمِزي

فَعْينايَ يا مَحْبوبَتيْ هِيَ مُعْجَمُ

 

وَما حاجَةُ الْإنْسانِ إلّا لِقَلْبِهِ

كَثيرٌ مِنَ الْأَلْغازِ بِالْقَلْبِ يُفْهَمُ

  

وَمِنْ صَمْتِهِ يَبْني الْجَمالُ خَيالَهُ

وَكَمْ قيلَ مِنْ قَوْلٍ وَقَدْ كادَ يَهْدِمُ

 

وَلَوْ دَقَّقَ الْإنْسانُ فيما يَقولُهُ

لَأَدْرَكَ: أَنَّ الْقَوْلَ ما كانَ يَلْزَمُ

 

أنا لَمْ أَقُلْ ما تَشْتَهينَ سَماعَهُ

لإنَّ حُروفَ الْمَدْحِ قَدْ تَتَلَعْثَمُ

 

إلَيْكِ فُؤادي فاسْمَعي نَبَضاتِهِ

وَما أَصْدَقَ الْقَلْبَ الّذي يَتَكَلَّمُ

 

أَمدُّ لَكِ الأغْصانَ كَيْ تَتَسَلَّقي

إلى الْقَلْبِ حَيْثُ النَّبْضُ بِالْحُبِّ مُفْعَمُ

 

هُوَ الْقَلْبُ بُسْتانٌ وَأَنْتِ وُرودُهُ

وَأَنْتِ وَريدُ الْقَلْبِ أَنْتِ بِهِ الدَّمُ

 

وَلَمْ أُخْفِ يَوْماً أنَّ حُبَّكِ ساحِرٌ

وَتَعْرِفُ كُلُّ الْأَرْضِ أنّي مُتَيَّمُ

 

وَتَبْتَهِجُ الأزْهارُ إنْ طَلَّ نَحْلُها

فَلا تَعْبِسيْ إنْ جاءَكِ الْمُتَبَسِّمُ

 

تَعَمَّقْتُ في بَحْري فَكُنْتِ امْتِدادَهُ

وَنَحْنُ كَهذا الْلَيْلِ لا نَتَقَسَّمُ

 

أرى فيهِ أحْلامي وَبَدْري وَأنْجُمي

وَغَيْري اشْتَكى: يا لَيْلُ كَمْ أَنْتَ مُظْلِمُ

 

إذا اكْتَمَلَ الْمَعْنى فَأَنْتِ كَمالُهُ

وَقَدْ زادَ سِحْراً أَنَّ سِرَّكِ مُبْهَمُ

 

عَلى قَوْسِ ألْوانٍ يُدَنْدِنُ مُغْرَمُ

بِأَنّي الْحَبيبُ الشّاعِرُ الْمُتَوَسِّمُ

 

إذا أَبْدَعَ الْإنْسانُ شِعْراً وَحِكْمَةً

فَإنَّ الصَّدى مِنْ نَفْسِهِ يَتَنَغَّمُ

 

يُغَرّدُ عُصْفورُ الْقَصيدِ بِأَضْلُعي

وَيَنْموْ عَلى غُصْنِ الْمَحَبَّةِ بُرْعُمُ

 

تَطيرُ بِيَ الأشْواقُ نَحْوَ سمائِها

يُلَأْلِئُ في الْعَيْنَيْنِ بَرْقٌ وَأنْجُمُ

.....

أَحارُ مِنَ الْعُذّالِ في وَصْفِ حُبِّنا

هُوَ الضِّغْنُ مِمّا الْبَعْضُ يَهْجوْ وَيَزْعُمُ

 

هِيَ الشّائعاتُ السّودُ تَلْتَفُّ حَولَنا

وَبَعْضُ لِسانِ النّاسِ سَيْفٌ وَأَرْقَمُ

 

كَأنّي أرى الثُّعْبانَ يَلْدَغُ ذَيْلَهُ

هِيَ النّارُ مِنْ ريحِ الْإشاعَةِ تُضْرَمُ

 

مَواسِمُهُمْ حَرْبٌ فَيُنْشِدُ طائرٌ

أَمأ عِنْدَكُمْ يا ناسُ لِلْحُبِّ مَوْسِمُ؟

 

لَمَحْتُ الْفَتى يُلْقي التَّحِيَّةَ باسِماً

وَفي الْيَدِ خَلْفَ الظَّهْرِ كانَ الْمُسَمَّمُ

 

كَما الْكَلْبُ لا تَدْري إذا ذَيْلُهُ الْتَوى

يُفَتِّشُ عَنْ أَسْيادِهِ أَمْ سَيَهْجُمُ؟

 

إذا غازَلَ النُّوّارَ طَيْرٌ فَإنَّهُ

بَريءٌ وَظَنُّ النّاسِ سُمٌّ وَمَأْثَمُ

 

وَكَمْ دُرَّةٍ في الْبَحْرِ يُجْهَلُ سِرُّها

وَمَوْجٍ بِمِنْفاخِ الرّياحِ يُضَخَّمُ

 

لَقَدْ حَلّلَ اللهُ الْكريمُ غَرامَنا

وَما كانَ إلّا اللهَ عِندي مُعَظّمُ

 

وَمَنْ يَضْرِبِ الْعَلْياءَ سَهْماً كَأَنَّهُ

عَلى نَفْسِهِ يَرْمي الْحَصاةَ وَيَرْجُمُ

 

وَمَنْ عابَ أَنْهاراً لِرِقَّةِ مائها

فَلا يَلُمِ الْبُرْكانَ إذْ يَتَجَهَّمُ

 

لِسانُ الْفَتى سَيْفٌ فَصُنْهُ عَنِ الْفِرى

وَغِمْدُ لِسانِ الصّادِقينَ هُوَ الْفَمُ

 

وَقَدْ قالَ قَبْلي شاعِرٌ مُتَنَبِّئا:ً

" إذا أَنْتَ أَكْرَمْتَ الْلَئيمَ " سَتَنْدَمُ

 

وَلا بَأْسَ إنْ أَخْطَأْتُ يَوْماً بِرُؤْيَتي

هُوَ الْشَّهْمُ مِنْ أَخْطائِهِ يَتَعَلّمُ

 

أُقَلِّبُ حَرْفي مَرَّتَيْنِ تَحَسُّباً

فَمِنْ شَفَراتِ الْحَرْفِ قَدْ يَقْطُرُ الدَّمُ

 

وَكَمْ كُسِرَتْ تَفْعيلَةٌ بِانْفِعالِها

كَما الْياءُ قَدْ تَلْوي الْكَلامَ فَيَكْلِمُ

 

زُجاجَةُ عِطْرٍ.. روحُ طِفْلٍ وَشاعِرٍ

إذا خُدِشَتْ بِالضَّوْءِ قَدْ تَتَحَطَّمُ

.....

أنا لا أُحِبُّ الْبَحْرَ إلّا لِأَنّهُ

شَبيهٌ بِعَيْنيْها. يَجودُ وَيَكْتُمُ

 

أنا الْحُبُّ عِنْدي مِثْلُ شِعْريْ ضَرُورَةٌ

وَعِنْدَ الضَّرُوريِّ الْكَمالِيُّ يُلْجَمُ

 

فَما عاشَتِ الْأسْماكُ دونَ مِياهِها

كَما النّارُ تَحْتاجُ الْهَواءَ فَتَعْظُمُ

 

إذا لَمْ تَقُلْ قالَ الْفُؤادُ: أُحِبّها

وَإنْ بَدَأتْ حُبّاً فَإنّي مُتَمِّمُ

 

لَكِ الْوَرْدُ. حَتّى لَوْ كَسَرْتِ ضُلُوعَهُ

سَيَبْقى عَلى الأَيْدي الرَّحيقُ الْمُنَسَّمُ

 

أنا مَدُّ هذا الْبَحْرِ إنْ كُنْتِ جَزْرَهُ

وَأَمْواجُنا تَعْدو وَتَعْلو وَتَلْطِمُ

 

وَفي عَيْنكِ اليُسْرى تَلَهُّفُ عاشِقٍ

وَفي عَيْنِكِ الْأُخْرى هوىً يَتَقَدَّمُ

 

إذا ما اكْتَمَلْنا وَرْدَةً وَحَديقَةً

فَما كانَ وَرْدي عَنْ عَبيرِكِ يُفْصَمُ

 

هُوَ الشِّعْرُ عُنْوانيْ وَأَنْتِ قَصيدَتي

وَما أجْملَ الْأَشْعارَ إذْ بِكِ تُخْتَمُ

 

وَبَيْنَ يَدَيْكِ الْآنَ أُكْمِلُ رِحْلَتي

هُنا جَنَّةُ الدُّنْيا. وَداعاً جَهَنَّمُ

 

أجيئُكِ حُلْماً كَيْ أَراكِ حَقيقَةً

فَأَنْتِ تَفوقينَ الّذي سَوْفَ أَحْلُمُ

 

أَضُمُّكِ حتّى تَفْتَحَ الشَّمْسُ عَيْنَها

أَأَنْتِ هُنا أَمْ أنَّ هذا تَوَهُّمُ؟

 

 خالد شوملي

 

 

28.05.2012